الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
373
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لكن القرآن يرد على هؤلاء ودعواهم بالقول : أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة . أليس الذي خلقهم خلق السماوات والأرض ؟ بل هل يمكن المقايسة بين هاتين القدرتين ، فأين القدرة المحدودة الفانية من القدرة المطلقة اللامتناهية الأزلية ؟ ! ما للتراب ورب الأرباب ( 1 ) ؟ ! تضيف الآية في النهاية قوله تعالى : وكانوا بآياتنا يجحدون . نعم ، إن الإنسان الضعيف المحدود سوف يطغى بمجرد أن يشعر بقليل من القدرة والقوة ، وأحيانا بدافع من جهله ، فيتوهم أنه يصارع الله جل وعلا ! ! لكن ما أسهل أن يبدل الله عوامل حياته إلى موت ودمار ، كما تخبرنا الآية عن مآل قوم عاد : فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا . إن هذه الريح الصرصر ، وكما تصرح بذلك آيات أخرى ، كانت تقتلعهم من الأرض بقوة ثم ترطمهم بها ، بحيث أصبحوا كأعجاز النخل الخاوية . ( يلاحظ الوصف في سورة " القمر " الآية 19 - 20 وسورة الحاقة الآية 6 فما بعد ) . لقد استمرت هذه الريح سبع ليال وثمانية أيام ، وحطمت كيانهم وكل وسائل عيشهم ، نكالا بما ركبوا من حماقة وعلو وغرور ، ولم يبق منهم سوى أطلال تلك القصور العظيمة ، وآثار تلك الحياة المرفهة . هذا في الدنيا ، وهناك في الآخرة : ولعذاب الآخرة أخزى . إن العذاب الأخروي هو في الواقع كالشرارة في مقابل بحر لجي من النار .
--> 1 - إن هذا التعبير يشبه في الواقع جملة : " الله أكبر " حيث تقوم بتعريف الله ( جل وعلا ) بأنه أعظم وأكبر من جميع الموجودات ، ذلك أننا نعلم أن لا قياس بين الاثنين ( التراب ورب الأرباب ) ولكن الله يتحدث إليها بلساننا ، لذلك نرى أمثال هذه الألفاظ والتعابير في كلامه تعالى